الشيخ فاضل اللنكراني
49
رسائل في الفقه والأصول
وثالثاً : أنّ استثناء النبيذ ، والمسح على الخفّين من التقيّة في بعض الروايات « 1 » قرينة على كون المراد من المستثنى منه ؛ أعني قوله عليه السلام : « التقيّة في كلّ شيء » جميع الواجبات والمحرّمات الإلهيّة التي لا تعلّق لها بحقوق الناس . الأمر الثاني : رواية صحيحة ربما يستفاد منها العموميّة بالنسبة إلى جميع الحقوق ، وهي ما رواه زرارة وغيره ، عن الباقر عليه السلام قال : التقيّة في كلّ ضرورة ، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به . والتقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه اللَّه له « 2 » . وهذه الرواية وإن كانت واردة في التقيّة الخوفيّة ؛ لكنّها ظاهرة في شمول جواز التقيّة بالنسبة إلى جميع الحقوق . وفيه أوّلًا : أنّ مشروعيّة التقيّة - كما ورد في بعض الروايات - يكون من باب الامتنان ، وجواز التعدّي على حقوق الناس ولو تقيّة لا يكون امتناناً ؛ فإنّه لا يناسب وقوع الضرر على الغير ، أو إيقاعه في الضرر . وثانياً : أنّ أدلّة نفي الحرج حاكمة على عموميّة هذه الرواية ؛ فإنّ جواز إيقاع الغير فيالضررو لوعلى نحو التقيّة يكون حكماً حرجيّاً بالنسبة إلى الغير ، والأدلّة تنفيه . فتحصّل من ذلك عدم عموميّة التقيّة الخوفيّة ، بل إنّما هي مشروعة فيما إذا لميستلزم وقوع الغير في الضرر ، فلا يكون في غير الدم عامّاً . وبهذا البيان يظهر الحكم في التقيّة الإكراهيّة ؛ فإنّ الإكراه إن قلنا بأنّه من مصاديق التقيّة لغة وعرفاً ، فلا فرق بينهما من هذه الجهة ، وإن قلنا باختلافهما موضوعاً ، فيكون ملحقاً بالتقيّة في الحكم ، لما ذكرنا سابقاً .
--> ( 1 ) تقدّمت في ص 35 - 36 . ( 2 ) الكافي 2 : 219 ح 13 وص 220 ح 18 ، المحاسن 1 : 404 ح 912 ، الفقيه 3 : 230 ح 1084 ، وعنها وسائل الشيعة 16 : 214 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 1 و 2 ، وج 23 : 225 ، كتاب الأيمان ب 12 ح 7 . وفي بحار الأنوار 62 : 82 ح 2 ، وج 65 : 157 ح 32 ، وج 75 : 399 ح 34 عن المحاسن .